يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
322
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
عنهما : مررنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على بركة ، فجعلنا نكرع فيها ، فقال : لا تكرعوا ولكن ، اغسلوا أيديكم واشربوا فيها ، فإنه ليس من إناء أطيب من اليد . وتقدّم هذا الحديث ، وأخبرتك أنه معلول من قبل السند ، وقلت لك : وإن كان معلولا فترك ذلك أجود . وتقدّم معنى الكرع ، وأنه مشتق من الأكارع التي للدواب ، كأنه يدخل في الماء برجليه ويشرب بفيه ، كما تفعل الدابة ذات الأكارع ، واللّه أعلم . وقد ذكر أبو طالب في كتاب قوت القلوب ما يحتاج إليه الشارب للماء من أدب وسنّة واستحباب ، فبلغها خمس عشرة خصلة . وأما في الأكل وما يحتاج إليه من الآداب والفرائض والسنن والاستحباب والظرف والمروءة والكراهية ، وطرائق السلف وأخلاق ذوي الألباب ، فجمع فيها مائة وسبعين خصلة . فأول ما عدّ من الفرائض : أن يكون المأكول حلالا ، وينوي بالأكل التقوّي على الطاعة . قلت : وكذلك يسمي اللّه في أوله ويحمده في آخره ، كما تقدم في الشرب . وينوي التقوّي به على العبادة ، ويتحرى فيه الحلال كالطعام ولا فرق . ومن أعم ما روي في الحمد على ذلك ما خرج مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال : لا يؤتى أحد بطعام أو شراب حتى الدواء فيطعمه أو يشربه حتى يقول الحمد للّه الذي هدانا وأطعمنا وسقانا ، اللهم ألفينا نعمتك بكل خير ، فأصبحنا منها وأمسينا بكل خير ، نسألك تمامها وشكرها ، لا خير إلا خيرك ، ولا إله غيرك إله الصالحين ورب العالمين ، الحمد للّه ولا إله إلا اللّه ، ما شاء اللّه ، ولا قوة إلا باللّه ، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا ، وقنا عذاب النار . وأذكر لك هنا من بعض فوائده . حكي أنه لما وفد الحارث بن كلدة - طبيب العرب - على كسرى سأله عن شرب الماء ، فقال : هو حياة البدن ، وبه قوة تنفع ، فاشرب منه بقدر ، وشربه بعد النوم ضرر ، وأفضل المياه مياه الأنهار الجارية العظام ، وأبرده وأصفاه . قال : فما طعمه ؟ . قال : شيء لا يوصف ، مشتق من الحياة . قال : فما لونه ؟ . قال : اشتبه على الأبصار ، لأنه يحكي لون كل شيء يكون فيه . وقال بعضهم : لا لون له وإنما يتلون بلون الآنية التي يجعل فيها ، كما تقدم وقال المعري : ولا لون للماء فيما يقال * ولكن تلونه بالأواني وقال غيره : لونه البياض . واحتج بأنه إذا جمد ابيض . وقال ابن السيد : وهذه مسألة فيها نظر . قلت : وفي الماء بركة كما قال تعالى : وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً [ ق : 9 ]